أعمال الجوارح الظاهرة 02

بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_
إذا عُلِم من تعريفَ الإيمان الذي أطبق عليه السلف هو أنه قول وعمل، فالقول والعمل ركنان في مسمى الإيمان، أي أنهما جزآن من ماهِيته، مع كونهما يلزم من عدمِ أي واحد منهما عدمُ الإيمان الذي هما ركنان فيه، لذلك كان التعبير بركنية العمل في الإيمان أولى من التعبير بشرطيته، لأن الشرط خارج عن الماهية بخلاف الركن_x000D_
فتصورُ مفهومِ العمل لا يمنع من صِدقه على كثيرين، فالصلاة عمل وشرب الخمر عمل، وهكذا_x000D_
فإذا انتفى جنسُ العمل انتفى أحد ركني الإيمان، فذهب الإيمان كله، لأن الشيء ينتفي بانتفاء ركنه، أمَّا لو انتفت بعض أفراد العمل فقد ينتفي الإيمان وقد لا ينتفي بحسب التفصيل الذي سيأتي في المسألة آحاد العمل وأفراده_x000D_
روى الخلال عن الحميدي (وهو شيخ البخاري وأحد أعلام السلف) قال: [أُخبرت أن ناسا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموتَ، ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مقرا بالفرائض واستقبال القبلة، فقلت (أي الحميدي): ذلك الكفر الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين، قال الله تعالى: ((وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) البينة 5]، وقال حنبل: [سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به] مجموع الفتاوى: 7/ 209_x000D_
وقال محمد بن نصر المروزي رحمه الله: [فمن كان ظاهره أعمال الإسلام ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب فهو منافق نفاقا ينقل من الملة، ومن كان عقده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد] مجموع الفتاوى: 7/333 _x000D_
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: [كان الإجماع من الصحابة والتابعين مِن بعدهم ومَن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر] مجموع الفتاوى: 7/209 _x000D_
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: [ففي القرآن والسنة مِن نَفي الإيمان عمن لم يأت بالعمل مواضعُ كثيرة كما نفى فيها الإيمان عن المنافق] مجموع الفتاوى: 7/142_x000D_
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: [لا خلافَ أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختلَّ شيء من هذا لم يكن الرجل مسلما، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند ككفر فرعون وإبليس وأمثالهما] كشف الشبهات (مع شرحه للشيخ العثيمين): 131_x000D_
فانظر يا أخا السنة إلى هذه النقول الواضحة الجلية، والبراهين الدامغة القوية، والإجماعات القاطعة السَّنِيَّة، ثم اعجب من كثرة الجاهلين والمتجاهلين، واسلُك سبيلَ الحق الأبلجِ ولا يضرَّنك قلةُ السالكين_x000D_
واعلم أن هذه المسألة فيصل بين أهل السنة وبين طوائف المرجئة القائلين بأن تارك جنس العمل ناقص الإيمان لا كافر، وقولهم هذا [من أشد ثمرات ابتداعهم خطورة بين المجتمع المسلم، بل هو مِعولُ هدم للأحكام الشرعية، والمبادئ الخلقية التي بني عليها الجيل الأول] حقيقة الخلاف: 45_x000D_
فإن قال قائل من المنافحين عن عقيدة الإرجاء (وما أكثرهم في هذه العصور): [سلَّمْنا أن تارك جنس العمل كافر، ولكن العمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح كما هو معلوم، فلنا أن نفترض شخصا قد أتى بعمل القلب كاملا، ولم يأت من أعمال الجوارح بشيء، فليس كافرا لأنه ليس تاركا لجنس العمل، مع كونه تاركا للأعمال الظاهرة مطلقا؟]_x000D_
والجواب أن هذا الفرض ممتنع، بل هو من أمحل المحال_x000D_
قال ابن تيمية رحمه الله: [وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه أو بقلبه ولسانه ولم يؤد واجبا ظاهرا، ولا صلاة ولا زكاة ولا صياما ولا غير ذلك من الواجبات] مجموع الفتاوى: 7/621 _x000D_
وقال ابن القيم رحمه الله: [من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية] رسالة الصلاة: 1/61_x000D_
فعاد التكفير بجنس العمل راجعا إلى التكفير بترك أعمال الجوارح الظاهرة، المستلزمِ لانتفاء أعمال القلوب الباطنة، فتأمل هذا فإنه مهم جدا _x000D_
(نقلا بتصرف من كتاب شرح منظومة الإيمان لأبي محمد عصام البشير المراكشي حفظه الله تعالى)_x000D_
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

Check Also

قاعدة تكفير المعين وموانع التكفير 05

بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_ المانع الثالث: الجهل_x000D_ المسالة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *