الأسوة الحسنة في رسول الله ﷺ

بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_
سورة الأحزاب، سميت بذلك لتكالب قوى البغي والشر على المؤمنين، والكشف عن خبايا المنافقين، وحذرت من طرقهم في الكيد والتخذيل والتثبيط، وأطالت الحديث عنهم فلم تبق لهم سترا، ولم تخف لهم مكرا_x000D_
وكذلك تشير إلى تحزب المشركين عليهم من كل جهة، فاجتمع كفار مكة مع غطفان وبني قريظة الذين نقضوا العهد مع رسول الله ﷺ_x000D_
لكن الله سبحانه ردهم مدحورين وكفى المؤمنين القتال بتلك المعجزة الباهرة_x000D_
ووسط ذلك كله، فجأة يلقي الرب جل وعلا علينا هذا التقرير قائلا: ((لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِی رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَة لِّمَن كَانَ یَرۡجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلۡیَوۡمَ ٱلۡـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِیرا)) الأحزاب 21_x000D_
وعلى الرغم من أن الرسول ﷺ أسوة المؤمنين في الأمور كلها، وعلى الرغم أن هذه الآية حجة في وجوب إتباع النبي ﷺ إلا علينا أن نتوقف أمام سياقها وسباقها فقد قرر الله هذه الأسوة من خلال حديثه عن المعركة، وتفاعلات الناس حولها _x000D_
نعم أسوة لنا بلباسه، وأسوة لنا بصلاته، وأسوة لنا بشأنه كله، لكن الحديث عن الأسوة انطلق من وسط فتنة الأحزاب، وبردها القارس، ورياحها القوية، وصلابة القرارات!_x000D_
فأين المتحدثون عن الأسوة، بحبهم لبياض الثياب، وكثرة التطيب، وإعطاء الأوامر من مكاتبهم الفاخرة؟_x000D_
فليعلموا أن حديث القرآن عن القدوة والأسوة كان من خلال غزوة الخندق (الأحزاب)!!!_x000D_
قال تعالى: ((إِذۡ جَاۤءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ))، ثم شرع القرآن في وصف المؤمنين، حيث انتظرنا وصفا مسهبا، ((وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَـٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ هُنَالِكَ ٱبۡتُلِیَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُوا۟ زِلۡزَالا شَدِیدا)) الأحزاب 11-12_x000D_
كلمات مفعمة بالبيان وتحتاج إلى ما وراءها، ولكن سرعة المعركة تقتضي سرعة الوصف_x000D_
وبعد أن قرّر الله تعالى حُكم الأسوة والقُدوة، وأنها لرسول الله ﷺ، فحيث أنه صبر فعليكم أن تصبروا، وتقاتلوا، فلا ينبغي لكم أن تتركوه وحده في مواطن القتال والنزال، بل لا يجوز لكم أن تستأذنوه في ترك القتال كما قال الله تعالى: ((لَوۡ كَانَ عَرَضا قَرِیبا وَسَفَرا قَاصِدا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَیۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَیَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ یُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَـٰذِبُونَ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَكَ ٱلَّذِینَ صَدَقُوا۟ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَـٰذِبِینَ لَا یَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ أَن یُجَـٰهِدُوا۟ بِأَمۡوَ ٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِیمُۢ بِٱلۡمُتَّقِینَ إِنَّمَا یَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِی رَیۡبِهِمۡ یَتَرَدَّدُونَ)) التوبة 42-45_x000D_
ذلك لأنّ الاستئذان هو هروب من نصرة دين الله تعالى، وخذلٌ له، ولا ينبغي للمسلم أن يخذل دين الله تعالى، أو يَتَوانى عن نصرته_x000D_
وإنّه من البيان الضّروري أن تكون الأسوة في الصّبْر على القتال ودوام الارتباط به عملاً وفِكراً ودعوةً وتحريضا،ً وردّاً على شبه المثبِّطين والمخذِّلين، أو المعوِّقين له بإسقاط أحكامه في أي عصر من العصور_x000D_
إن القيام بهذا الأمر أسوة برسول الله ﷺ لا يقوى عليه إلا المتعلّق بالآخرة، الرّاجي لأجْرِها أن يُصيبه، ولعذابِها أن يخطِأهَ، والذّاكرُ لربّه تقويةً لقلبه، وتطمينا له من أن يهتزَّ أو يرتجف كما قال الله تعالى: ((یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا لَقِیتُمۡ فِئَة فَٱثۡبُتُوا۟ وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِیرا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ)) الأنفال 45 _x000D_
لأن الأسُوة في هذا الباب تكاليفها شاقّة عالية، يرى المرءُ آثارها بأمّ عينَيْه، ويعيشُ هذه التكاليفَ لحظةً بلحظة، فهو معذَّبٌ من طواغيت الأرض، أو مطاردٌ غَريب، أو محاصَرٌ مَحْبوس، أو مهدّدٌ يرْقب الموتَ في كلِّ آن، ومثل هذا الحال لن يصبِر عليه إلا من قام به من أجل الآخرة، واستعان على هذا الصبر بذكر الله تعالى، وبهذا يتحقق التوافق بين ذكر الأسوة وبين ذكر وصف القائم بها_x000D_
وبعدها جاء قرار آخر يعرفنا بمن هم أصحابه وأحبابه ﷺ_x000D_
قال تعالى: ((وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُوا۟ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّاۤ إِیمَـٰنا وَتَسۡلِیما مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ رِجَال صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَیۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن یَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبۡدِیلا)) الأحزاب 22-23_x000D_
رجال كل واحد منهم بأمة_x000D_
(نقلا بتصرف عن كتاب الجهاد والاجتهاد تأملات في المنهج لعمر أبو عمر صفحة: 162 دار البيارق)_x000D_
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

Check Also

قاعدة تكفير المعين وموانع التكفير 07

بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_ _ الميثاق فهو ما …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *