الصبر على الأذى

بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_
قال تعالى: ((ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ)) آل عمران 186_x000D_
((ولَتَسْمَعُنَّ)) أكَّدَ سبحانه وتعالى الفِعْلَ بِلامِ القَسَمِ وبِنُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ ‘سماع الأذى’، إذْ نُونُ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى التَّوْكِيدِ مِنَ الخَفِيفَةِ، وهي معطوفة على ((لَتُبْلَوُنَّ))، والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ، ويُرادُ بِهِ هُنا لازِمَ قول الابتلاء وهو: المُصِيبَةُ؛ لِأنَّ في المَصائِبِ اخْتِبارًا لِمِقْدارِ الثَّباتِ _x000D_
والِابْتِلاءُ في الأمْوالِ هو نَفَقاتُ الجِهادِ _x000D_
والِابْتِلاءُ في الأنْفُسِ هو القَتْلُ والجِراحُ_x000D_
الله سبحانه وصف الأذى المسموع من أهل الكتاب والمشركين: ((أذى كثيرا)) وهذا يدل على أن حربا كلامية ستعلن على أهل الإيمان، لتشويه دعوتهم، وتلويت سمعتهم، والتشكيك في سيرتهم وسريرتهم، وهي حرب أسلحتها الدس والتحريف والافتراء_x000D_
((أذًى كَثِيرًا)) والأذى هو الضُّرُّ بِالقَوْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ((لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى)) آل عمران: 111 _x000D_
وصَفَ الأذى هُنا بِالكَثِيرِ، أيِ الخارِجِ عَنِ الحَدِّ الَّذِي تَحْتَمِلُهُ النُّفُوسُ غالِبًا، ولذَلِكَ أمَرَهُمُ سبحانهُ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ حَتّى يَحْصُلَ لَهُمُ النَّصْرُ، وأمَرَهم بِالتَّقْوى _x000D_
((وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا)) فلا بد للمؤمنون أن يثبتوا ويصبروا ويتقوا _x000D_
وأريد هنا بالتقوى التعفف عن مقابلة الخصوم بمثل أسلحتهم الدنيئة، فلا يواجه الدس بالدس، ولا الافتراء بالافتراء لأن الله سبحانه وتعالى استعبدنا بالوسيلة والغاية وكلاهما شرعي_x000D_
وفي الآية إشارة إلى أن الذين أوتوا الكتاب والذين أشركوا عداوتهم لأهل الإسلام واحدة، وملتهم واحدة وهي الكفر على اختلاف الفريقين، كقوله تعالى: ((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)) البقرة 120_x000D_
هنا ذكر سبحانه فريقين من أهل الكتاب وملة واحدة_x000D_
حيت أفرد الملة كناية على أن الكفر ملة واحدة_x000D_
مع العلم أن اليهود قدحوا في مريم الطاهرة وابنها عيسى عليهما السلام_x000D_
((فَإنَّ ذَلِكَ)) إشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى _x000D_
((عزمِ الأُمُورِ)) مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيِ الأُمُورِ العَزْمِ _x000D_
ووَصَفَ ((الأُمُور))َ بصيغة الجَمْعٌ، و((عَزْمٍ)) بصيغة المُفْرَدٌ؛ لِأنَّ أصْلَ عَزْمٍ أنَّهُ مَصْدَرٌ فَيَلْزَمُ لَفْظُهُ حالَةً واحِدَةً، وهو هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ مِنَ الأُمُورِ المَعْزُومِ عَلَيْها _x000D_
والعَزْمُ: إمْضاءُ الرَّأْيِ وعَدَمُ التَّرَدُّدِ بَعْدَ تَبْيِينِ السَّدادِ، قالَ تَعالى: ((وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّه)) آل عمران: 159، والمُرادُ هُنا العَزْمُ في الخَيِّراتِ قالَ تَعالى: ((فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)) الأحقاف: 35، وقالَ: ((ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا)) طه: 115 _x000D_
ووَقَعَ قَوْلُهُ ((فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ)) دَلِيلًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، والتَّقْدِيرُ: ‘وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا تَنالُوا ثَوابَ أهْلِ العَزْم’ِ _x000D_
(نقلا بتصرف من تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى)_x000D_
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

Check Also

أقسام الكفر

بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_ الكفر الأكبر: وهو الكفر …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *