بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_
الفصل الثاني: أوجه الزيادة والنقصان_x000D_
واعلم بأن هذا الوجه الثاني، هو أشهر أوجه زيادة الإيمان ونقصانه، حتى إن بعض أهل العلم قد يقتصر عليه فلا يُعَرِّج على غيره، كما أن الوجه الأول فيه من الخفاء ما جعل العلماء يختلفون حوله فينكره بعضهم، ولأجل هذا ذكرت هذين الوجهين في النظم ولم أذكر غيرهما، مع أن أوجه زيادة الإيمان ونقصانه أكثر من ذلك، فقد حصرها شيخ الإسلام ابن تيمية في تسعة أوجه :_x000D_
الوجه الأول: الإجمال والتفصيل فيما أُمر به عبادُ الله المؤمنون، فإنه وإن وجب على جميع الخلق الإيمان بالله ورسوله، فإنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله، كما أن مَن عرف القرآن والسنن ومعانيَها، لزمه من الإيمان المفَصل بذلك ما لا يلزم غيره، ولو آمن رجل بالله وبالرسول ظاهرا وباطنا، ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين، مات مؤمنا بما وجب عليه من الإيمان وليس ما وجب عليه ولا ما وقع منه مثل إيمان من عرف الشرائع بتفاصيلها فآمن بها وعمل بها، بل إيمان هذا الأخير أكمل وجوبا ووقوعا_x000D_
الوجه الثاني: الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم، رغم تساويهم فيما وجب عليهم من الإيمان، فها هنا مراتب ثلاث، كلٌّ منها أكملُ من التي بعدها:_x000D_
مَن طلب علم ما وجب عليه فتعلمه وعمل به_x000D_
من عرف ما يجب عليه والتزمه وأقر به لكنه لم يعمل به وهو مع ذلك خائف من عقوبة ربه، معترفٌ بذنبه_x000D_
من لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ﷺ ولا عمل بذلك ولا هو خائف أن يعاقب بل هو في غفلة مع إقراره بالنبوة باطنا وظاهرا_x000D_
فهذه مراتب ثلاثة اشترك أصحابها في الوجوب، وتفاوتوا في الوقوع_x000D_
الوجه الثالث: أن العلم والتصديق نفسه يكون بعضه أقوى من بعض، وأثبتُ وأبعدُ من الشك والريب، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه، فيجد أن علمه بمعلومه يتفاضل حاله فيه، كما يقع التفاضلُ في أمور الحواس الظاهرة، فإن رؤية الناس للهلال مثلا، وإن اشتركوا فيها فبعضهم تكون رؤيته أتمَّ من بعض، ونفس الشيء في السماع والشم والذوق فكذلك علم القلب وتصديقه يتفاضل، بسبب التفاضل في المعاني التي يؤمن بها من معاني أسماء الرب وكلامه_x000D_
وهذا التفاضل في التصديق هو الذي استقرَّ عليه قولُ عامة المحققين من أهل العلم يقول الإمام النووي كما نقله عنه الحافظ ابن حجر: [والناس يتفاضلون في تصديق القلب على قدر علمهم ومعاينتهم، فمن زيادته بالعلم قوله تعالى ((زَادَتْهُمْ إِيمَانَاَ)) ومن المعاينة قوله تعالى: ((لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ))، فجعل له مزية على علم اليقين]، ثم قال الحافظ: [ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل، حتى إنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا وتوكلا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها] _x000D_
وقال ابن رجب الحنبلي: [وهذا مبنيٌّ على أن التصديق القائم بالقلوب متفاضل، وهذا هو الصحيح فإن إيمان الصديقين الذي يتجلى الغيب لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة بحيث لا يقبل التشكيك والارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لا يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شُكِّكَ لدَخَلَه الشكُّ] _x000D_
وقال شيخ الإسلام: [إن التصديق نفسه يتفاضل كُنهه، فليس ما أثنى عليه البرهان بل تشهد له الأعيان، وأميط عنه كل أذى وحسبان، حتى بلغ درجات الإيقان، كتصديقٍ زعزعته الشبهات وصدفته الشهوات، ولعب به التقليد، ويضعف لشُبَهِ المعاند العنيد، وهذا أمر يجده من نفسه كل منصف رشيد] _x000D_
ويذكر الإمام الرازي أن زيادة التصديق تكون على وجوه ثلاثة :_x000D_
الأول: بحسَبِ كثرة الدلائل وقوَّتها، لأن عند حصول كثرة الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين قال الرازي: [وهو الذي عليه عامَّة أهل العلم على ما حكاه الواحدي رحمه الله]، ثم أورد على هذا الوجه اعتراضا عقليا ورده، ولكنْ على عادته المعروفة من تفصيل الإيرادات والشبه، والتقصير في الجواب عنها، ولا يخفى على المتأمل في الإيراد العقلي الذي ذكره، ضعفُ تركيبه وهلهلة نسجه، ولكن ليس هذا محل بسط ذلك_x000D_
الثاني: بتوالي التكاليف، فكلما حدث تكليف جديد ازداد التصديق والإقرار، لأن من صدق إنسانا في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء واحد_x000D_
الثالث: بالاطلاع المتعاقب على آثار حكمة الله في مخلوقاته، وهذا بحرٌ لا ساحل له_x000D_
الوجه الرابع: أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكملُ من التصديق الذي لا يستلزم عمله، فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به، فمَن آمن وصدق بأن الله حق ورسولَه حق، والجنة حق والنار حق، وأوجب له هذا التصديق محبة الله وخشيته كان إيمانه أكمل من الذي لم يوجب له إيمانه ذلك_x000D_
الوجه الخامس: أن أعمال القلوب كالمحبة والخشية والخشوع والتوكل والخوف والرجاء كلها من الإيمان كما سبق بيانه، وهذه الأعمال يتفاضل فيها الناس تفاضلا عظيما كما هو ظاهر بدلالة الشرع والعقل_x000D_
ويكفي هنا ذكر التفاضل في المحبة الذي دل عليه قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ))، لذلك قال شيخ الإسلام: [فإنه من المعلوم بالذوق الذي يجده كل مؤمن، أن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه والتوكل عليه والإخلاص له، وفي سلامة القلوب من الرياء والكبر والعجب، ونحو ذلك، والرحمة للخلق والنصح لهم وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة ] _x000D_
الوجه السادس: أن الأعمال الظاهرة أيضا من الإيمان، ويتفاضل الناس فيها وتزيد وتنقص، وهذا شامل لأعمال اللسان والجوارح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: [وأما زيادة العمل الصالح الذي على الجوارح ونقصانه فمتفق عليه وإن كان في دخوله في مطلق الإيمان نزاع والذي عليه أهل السنة والحديث أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص] _x000D_
الوجه السابع: أن ذكر الإنسان بقلبه ما أمره الله به واستحضاره لذلك، وثباته عليه أكمل ممن صدق بالمأمور به ولكنه غفل عنه لذلك قال عمير بن حبيب الخطمي الصحابي: [إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه] ، وقد قال تعالى: ((وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ))، وكلما تذكر الإنسان ما عرفه قبل ذلك، وعمل به، حصل له معرفة شيء آخر لم يكن عرفه قبل ذلك، وفي الحديث الصحيح: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت) _x000D_
الوجه الثامن: أن الإنسان قد يكون مكذبا أو منكرا لأمور لا يعلم أن الرسول أخبر بها، وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر، فإذا ظهر له بوجه من الوجوه أن هذه الأمور من الإيمان، فإنه يصدق بما كان مكذبا به، ويعرف ما كان منكرا له فهذه زيادة في الإيمان، ومن هذا الباب من ابتدع في دين الله عز وجل قولا خطأ وهو مؤمن بالرسول وقاصد للاتباع لا الابتداع، ثم تبين له خطؤه فترك ما كان عليه ورجع إلى الصواب_x000D_
الوجه التاسع: أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها، فمن كان مستند تصديقه ومحبته أدلةً توجب اليقين وتبين فساد الشبه العارضة، لم يكن بمنزلة من كان تصديقه لأسباب دون ذلك، فإنه من الظاهر أن العلم بكثرة الأدلة وقوتها، وبفساد الشبه المعارضة لذلك وبطلانها ليس كالعلم المستند على دليل واحد من غير معرفة بالشبه المعارضة له وفسادها_x000D_
فهذا مجمل الوجوه التي يحصل بها زيادة الإيمان ونقصانه، كما ذكرها شيخ الإسلام مفصلة، والله أعلم_x000D_
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
Check Also
الكفر باعتبار البواعث القلبية 02
بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_ وحاصل الإنكار أن من …
Future Investments