بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_
المانع الثاني: التأول وهو الخطأ في فهم دلالة النص الشرعي، بإنزال بعض النصوص في غير محلها، أو إخراجها عن مدلولاتها الصحيحة التي تشهد لها النصوص الأخرى وقواعد اللغة والشرع، فمن استحل حراما أو حرم حلالا، أو وقع في كفر وهو يحكم عليه بأنه ليس كفرا، وكان في هذا كله متأولا تأولا مستساغا في الجملة، امتنع تكفيره حتى تقام عليه الحجة الشرعية، فإن أصر على ما هو فيه من الباطل، وقع عليه حكم التكفير وما يقتضيه من الأحكام الشرعية الدنيوية_x000D_
والدليل على هذا الأصل العظيم حادثة قدامة بن مظعون، وحاصلها أن قدامة وطائفة معه شربوا الخمر وتأولوا قوله تعالى: ((لَیۡسَ عَلَى ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاح فِیمَا طَعِمُوۤا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ)) المائدة 93، فلما بلغ الخبر إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار الصحابة في ذلك، ثم وقع إجماعهم على رأي علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على الاستحلال قتلوا، وأرسل عمر لقدامة يقول له: [اخطأت استك الحفرة، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر] عبد الرزاق في المصنف بإسناد صحيح كما ذكره الحافظ في الفتح_x000D_
ووجه الدلالة من هذه القصة أن الصحابة أجمعوا (والإجماع حجة شرعية كما هو معلوم) على عدم إقامة حد الردة على قدامة ومن معه، رغم كونهم وقعوا في الكفر، الذي هو استحلال شرب الخمر، والمانع من إلحاق حكم الكفر بهم هو تأولهم الآية القرآنية المذكورة على غير وجهها، وهو تأول سائغ في الجملة، وإن كان باطلا كما لا يخفى من تأمل سبب نزول الآية وما ذكره فيها أئمة التفسير_x000D_
ثم إن الصحابة أجمعوا أيضا على أن هؤلاء المستحلين، لو أصروا على الاستحلال بعد إقامة الحجة عليهم، لوجب إقامة الحد عليهم، وهذا الإجماع المذكور ليس خاصا بالصحابة، فقد قال شيخ الإسلام رحمه الله: [وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام لا يتنازعون في ذلك] مجموع الفتاوى: 11/405_x000D_
ولعل مستند هذا الإجماع النصوص الدالة على رفع المؤاخذة عند الخطأ، مثل قوله تعالى: ((وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ)) وغيرها، والله أعلم_x000D_
ويقول ابن تيمية جامعا جل موانع التكفير: [والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول ﷺ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئا] مجموع الفتاوى: 3/231_x000D_
وهذا التأويل لا يكون مانعا من التكفير إلا إن كان سائغا ومقبولا في الجملة، وتجيزه قواعد اللسان العربي، وبأن يكون له وجه معتبر في الشرع، يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: [قال العلماء: كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم، إذا كان تأويله سائغا في لسان العرب، وكان له وجه في العلم] فتح الباري: 12/376_x000D_
فإن عدم أحد هذين الشرطين، لم يمنع التأويل تنزيل حكم الكفر، لذلك أجمع أهل العلم على تكفير الباطنية ومن نحا نحوهم من الروافض وغلاة الصوفية والقرامطة، وأهل الإلحاد والزندقة وأصحاب المقالات الإبليسية، مع أنه لا تخلو طائفة من هذه الطوائف من تأويلات باطلة غير مقبولة_x000D_
ومن أمثلة هذه التأويلات ما ينقله أبو حامد الغزالي في ‘فيصل التفرقة’، إذ يقول: [ولابد من التنبيه على قاعدة وهو أن المخالف قد يخالف نصا متواترا، ويزعم أنه مؤول، مثاله: ما في كلام بعض الباطنية أن الله تعالى واحد بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها، وعالم بمعنى أنه يعطي العلم لغيره ويخلقه، وموجود بمعنى أنه يوجد غيره، وأما أن يكون واحدا في نفسه، وموجودا وعالما على معنى اتصافه فلا، وهذا كفر صراح، لأن حمل الوحدة على اعطاء الوحدة ليس من التأويل في شيء، ولا تحتمله لغة العرب أصلا فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عبر عنها بالتأويلات] فيصل التفرقة: 147 كما في ‘نواقض الإيمان القولية والعملية’: 79_x000D_
وبالجملة، فإن تأويلات الباطنية وأضرابهم، وفيما ذكرت آنفا غنية وكفاية، والله أعلم_x000D_
ومن يكن حديث عهد بالإسلام أي لم يسلم إلا من مدة قريبة، أو كان يعيش في منطقة بعيدة عن البلاد التي تستفيض فيها المعرفة بشعائر الإسلام يعذر بجهله فلا ملاما ولا حساب ولا مؤاخذة لعجز عن التعلم أي: عدم القدرة على دفع الجهل عن نفسه، لأن القدرة مناط التكليف_x000D_
يتبع إن شاء الله_x000D_
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
Check Also
قاعدة تكفير المعين وموانع التكفير 06
بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_ المسألة الثالثة: هل تقوم …
Future Investments