قاعدة تكفير المعين وموانع التكفير 10

بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_
كما أن حد الإكراه يختلف الحكم فيه باختلاف النظر في ثلاثة أمور هي:_x000D_
1_ حال المكرَه (من وقع عليه الإكراه)، فأما حال المكرَه فلأن الناس يختلفون في قدرات تحملهم، وفي مكانتهم في المجتمع، وما يترتب على إجابتهم من نتائج على الأمة _x000D_
لذلك لما سئل الإمام أحمد عن العالم وهل له أن يأخذ بالتقية في فتواه أجاب: [إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟]، فتأمل مقدار فهم هذا الإمام العظيم للأمانة الجسيمة الملقاة على عاتق العلماء، وقارن هذا الموقف الرباني بما يقع فيه كثير من العلماء المعاصرين من تهافت على موائد السلطان، وتكالب على فتات الدنيا، وتطويع للنصوص والقواعد الشرعية الراسخة للأهواء والأمزجة _x000D_
2_ حال المكرِه (-بكسر الراء- من وقع منه الإكراه)، وأما حال من وقع منه الإكراه فلأن هنالك فرقا بين من يستطيع تنفيذ الوعيد بأن كان ذا سلطان أو من في حكمه وبين من يُعلم عن طريق العادة أنه يكتفي بالتهديد دون تنفيذ_x000D_
3_ الامر الذي وقع عليه الإكراه، وأما الأمر الذي وقع عليه الإكراه فلأن الردة تختلف عن المحرَّم المجمع على تحريمه مما هو دون الشرك، وهذا بدوره يختلف عن المحرم المختلف في حرمته وهكذا، فوجب أن يختلف حد الإكراه في هذه الأمور كذلك، قال شيخ الإسلام رحمه الله: [تأملت المذهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكرَه عليه، فليس المعتبر في كلمات الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد قد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب أو قيد، ولا يكون الكلام إكراها، وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها أو مسكنها فلها أن ترجع على أنها لاتهب له إلا إذا خافت أن يطلقها أو يسيء عشرتها، فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة إكراها… ومثل هذا لا يكون إكراها على الكفر، فإن الأسير إذا خشي الكفار أن لا يزوجوه أو أن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر] الفتاوى الكبرى: 5/490_x000D_
هذا ومما ينبغي الإشارة إليه، أن الأخذ بالعزيمة والصبر على التعذيب أو القتل أولى من الترخص وإجابة داعية الإكراه، ويدل على هذا قول النبي ﷺ: (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) رواه الحاكم من حديث جابر وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد، ويدل عليه أيضا صبر كثير من الصحابة والدعاة والعلماء على مر تاريخ هذا الأمة، وعدم قبولهم بالرخصة، ومازال الناس يثنون عليهم وعلى صبرهم وجهادهم_x000D_
ولولا فضل الله عز وجل على هذه الأمة بأن قيض لها أمثال هؤلاء المجاهدين الصابرين المحتسبين، لما استطاع الحق أن يستمر لمدة قرون طويلة غضا طريا، يشق طريقه في عباب الباطل، وبين أمواج الضلال_x000D_
فهل آن للمسلمين أن يسترجعوا هذا الفهم السلفي الراقي لدين الإسلام، وأن يستخلصوا ما تبقى لديهم من عز ونخوة من مستنقع التخاذل وحمأة الترخص؟_x000D_
ذكرت عند الكلام على بعض موانع التكفير، مسألة القصد إلى الفعل وتعمده، وآن الأوان لكي نفرق بين نوعين من القصد أحدهما شرط في الحكم بالتكفير والآخر ليس شرطا_x000D_
فأما الأول فهو أن يقصد الإنسان إلى الفعل ويتعمده ولا يكون مخطئا فيه، فهذا القصد لاشك في اشتراطه لتكفير صاحبه، ومثال انتفاء هذا القصد ما جاء في حديث الرجل الذي أضل راحلته كما سبق بيانه_x000D_
وأما الثاني فهو أن يقصد الإنسان الكفرَ بفعله الذي تعمده، فهذا القصد ليس شرطا لتكفير صاحبه، ولا يمنع انتفاؤه أو ادعاء انتفائه من المؤاخذة بالفعل المكفر_x000D_
إذ لو اشترطنا وجود هذا القصد في إلحاق حكم الكفر، لم يعجز أحد من الواقعين في الأقوال والأفعال الشركية أن يعتذر بعدم قصده الكفر بفعله، ولكان ذلك سببا في إغلاق باب التكفير مطلقا والحق أن كثير من الكفار يعتقدون أنهم على حق فيما يقولونه ويفعلونه، وأنهم لا يقصدون الوقوع في الكفر أو الشرك، كما في قوله تعالى ((قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا))، قال ابن جرير الطبري رحمه الله: [وهذا من أدل الدلائل على خطأ قول من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته، وذلك أن الله تعالى أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالا، وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم، ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه مثابين مأجورين عليه، ولكن القول بخلاف ما قالوا، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة وأن أعمالهم حبطة] تفسير الطبري: 8/295_x000D_
ومن أدلة هذا التفريق قوله تعالى: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ))، قال شيخ الإسلام رحمه الله: [ فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرَّم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفرا، وكان كفرا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه] مجموع الفتاوى: 7/273_x000D_
وقال أيضا في بيان التفريق بين هذين النوعين من القصد: [وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كَفرَ بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافرا، إذ لا يقصد الكفرَ أحد إلا ما شاء الله] الصارم المسلول: 177-178_x000D_
ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح حديث المارقة (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية): [وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينا على دين الإسلام] فتح الباري: 12/373_x000D_
يتبع إن شاء الله_x000D_
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

Check Also

زيادة الإيمان ونقصانه 03

بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_ من السنة:_x000D_ ثبت عن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *