بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_
المسألة الثالثة: التكفير بالفعل المحتمل_x000D_
الأفعال المحتملة: هي الأفعال التي ليست صريحة في دلالتها على الكفر، ودخول الاحتمال فيها يسقط الاستدلال بها على كفر صاحبها، ومن هذه الأفعال ما ذكره البخاري في صحيحه، وترجم له بقوله: [باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به الله] فتح الباري: 1/694، فمن صلى إلى القبلة وأمامه شيء مما يعبد ويشرك به كالنار والصنم والقبر، لا يكفر بمجرد ذلك، حتى ينظر في قصده، هل يقصد الصلاة لله جل ذكره، أم لذلك المخلوق؟_x000D_
ولما كانت هذه الأفعال المحتملة غير ظاهرة في الكفر أو عدمه، احتيج إلى ترجيح أحد الطرفين بمرجح معتبر في الشرع، كأن يُسأل الفاعل عن قصده ونيته، وهذا أظهر المرجحات وأحوطها في هذه المسائل الخطيرة التي يترتب عليها آثار وخيمة في الواقع_x000D_
لهذا لما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عمن سب شريفا من أهل البيت ‘فقال: لعنه الله، ولعن من شرفه’، أجاب رحمه الله: [وليس هذا الكلام بمجرده من باب السب الذي يقتل صاحبه، بل يستفسر عن قوله: من شرفه، فإن ثبت بتفسيره أو بقرائن حالية أو لفظية أنه أراد لعن النبي ﷺ وجب قتله، وإن لم يثبت ذلك لم يكن ذلك موجبا للقتل باتفاق العلماء] مجموع الفتاوى: 35/197-198_x000D_
وقد تبين من هذا النقل عن شيخ الإسلام، أن من المرجحات التي تعين المراد من العمل المحتمل – إلى جانب تبين القصد – النظر في القرائن الحالية أو اللفظية، فإن دلت القرائن مثلا على أن مرتكب الفعل مغموص عليه في النفاق، أو متهم بالابتداع والإلحاد، أو مشار إليه بالزندقة، كان هذا مرجحا قويا لكونه أراد بفعله الكفر، وبالمقابل من كان من أهل الصلاح والتقوى، وكان مشهورا عنه مجالسة الأخيار، والمحافظة على الشرائع، وتعظيم الرب والدين، ترجح عدم إرادته الكفر بفعله المحتمل_x000D_
وهذا باب طويل الذيل، عظيم النفع، مَن ضبط فروعه وتطبيقاته، لم يخش على نفسه من الخطل والزلل، والله الموفق_x000D_
ورغم الذي قلت آنفا من التحذير الشديد من التسرع في تكفير المعين، قبل التأكد من توفر الشروط وانتفاء الموانع، فإنه لا يجوز الوقوف في التكفير في حالة ما إذا بدا الكفر جليا وظهر، وتعليل ذلك أنه من لم يكفر كافرا فقد كفر وهي إحدى قواعد التكفير المشهورة التي لا ينبغي استخدامها على إطلاقها، بل مع اعتبار مجموعة من القيود والتخصيصات_x000D_
وقبل ذكر هذه القيود، أشير أولا إلى أن هذه القاعدة قد وردت كثيرا في كلام أهل العلم، واستعملوها في ظروف مختلفة، بل نقلوا الإجماع على صحتها_x000D_
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: [ووسم تعالى أهل الشرك بالكفر فيما لا يحصى من الآيات فلابد من تكفيرهم أيضا، هذا هو مقتضى ‘لا إله إلا الله’، كلمة الإخلاص، فلا يتم معناها إلا بتكفير من جعل لله شريكا في عبادته، كما في الحديث الصحيح: (من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله) رواه مسلم في الإيمان برقم:23 (ص43) _x000D_
فقوله وكفر بما يعبد من دون الله تأكيد للنفي، فلا يكون معصوم الدم والمال إلا بذلك، فلوشك أو تردد لم يعصم دمه وماله] نقله في ‘ قواعد في التكفير’: 207 عن مجموعة التوحيد_x000D_
ويقول حفيده الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: [إن كان شاكا في كفرهم أو جاهلا بكفرهم بينت له الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على كفرهم، فإن شك بعد ذلك وتردد فإنه كافر بإجماع العلماء على أن من شك في كفر الكفار فهو كافر] مجموعة التوحيد: 96_x000D_
وقد وردت هذه القاعدة في كلام أهل العلم القدماء، بألفاظ متقاربة، عند بيانهم خطورة بعض الأقوال والأعمال المكفرة، فتجدهم يقولون مثلا: من قال كذا أو فعل كذا فهو كافر، ومن شك في كفره أو لم يكفره فهو كافر فمن ذلك مثلا:_x000D_
_ قول محمد بن سحنون المالكي رحمه الله: [أجمع العلماء أن شاتم النبي ﷺ المنتقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر] ذكره القاضي عياض في الشفا: 2/476_x000D_
_ وقول ابن تيمية رحمه الله: [أما من اقترن بسبه- أي للصحابة- دعوى أن عليا إله، أو أنه كان هو النبي، وإنما غلط جبريل عليه السلام في الرسالة، فهذا لاشك في كفره، بل لاشك في كفر من توقف في تكفيره] الصارم المسلول: 586_x000D_
(نقلا بتصرف من كتاب شرح منظومة الإيمان لأبي محمد عصام البشير المراكشي حفظه الله تعالى)_x000D_
يتبع إن شاء الله_x000D_
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
Check Also
زيادة الإيمان ونقصانه 03
بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_ من السنة:_x000D_ ثبت عن …
Future Investments