بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_
((وَقَالَ ٱلَّذِینَ ٱسۡتُضۡعِفُوا۟ لِلَّذِینَ ٱسۡتَكۡبَرُوا۟ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَاۤ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥۤ أَندَاداۚ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَـٰلَ فِیۤ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ هَلۡ یُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ)) سبأ 33_x000D_
جِيءَ بِحَرْفِ العَطْفِ ((وَقَالَ)) في حِكايَةِ جواب المُسْتَضْعَفِينَ على قَوْلَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ((أنَحْنُ صَدَدْناكُمُ))، وهي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَقالَةَ المُسْتَضْعَفِينَ هَذِهِ هي في المَعْنى تَكْمِلَةٌ لِمَقالَتِهِمْ تَلَقَّفَها الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا فابْتَدَرُوها بِالجَوابِ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ هُنالِكَ بِحَيْثُ لَوِ انْتَظَرُوا تَمامَ كَلامِهِمْ وأبْلَغُوهم رِيقَهم لَحَصَلَ ما فِيهِ إبْطالُ كَلامِهِمْ ولَكِنَّهم قاطَعُوا كَلامَهم مِن فَرْطِ الجَزَعِ أنْ يُؤاخَذُوا بِما يَقُولُهُ المُسْتَضْعَفُونَ_x000D_
وحُكِيَ قَوْلُهم هَذا بِفِعْلِ المُضِيِّ لِمُزاوَجَةِ كَلامِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِأنَّ قَوْلَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا هَذا بَعْدَ أنْ كانَ تَكْمِلَةً لِقَوْلِهِمُ الَّذِي قاطَعَهُ المُسْتَكْبِرُونَ، انْقَلَبَ جَوابًا عَنْ تَبَرُّؤِ المُسْتَكْبِرِينَ مِن أنْ يَكُونُوا صَدُّوا المُسْتَضْعَفِينَ عَنِ الهُدى، فَصارَ لِقَوْلِ المُسْتَضْعَفِينَ مَوْقِعانِ يَقْتَضِي أحَدُ المَوْقِعَيْنِ عَطْفَهُ بِالواوِ، ويَقْتَضِي المَوْقِعُ الآخَرُ قَرْنَهُ بِحَرْفِ ((بَلْ)) وبِزِيادَةِ ((مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهار)) وأصْلُ الكَلامِ: ((يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ)) إذْ تَأْمُرُونَنا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ الَخْ فَلَمّا قاطَعَهُ المُسْتَكْبِرُونَ بِكَلامِهِمْ أُقْحِمَ في كَلامِ المُسْتَضْعَفِينَ حَرْفُ ((بَلْ مَكۡرُ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَاۤ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ)) إبْطالًا لِقَوْلِ المُسْتَكْبِرِينَ ((بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ))، وبِذَلِكَ أفادَ تَكْمِلَةَ الكَلامِ السّابِقِ والجَوابَ عَنْ تَبَرُّؤِ المُسْتَكْبِرِينَ، ولَوْ لَمْ يَعْطِفْ بِالواوِ لَما أفادَ إلّا أنَّهُ جَوابٌ عَنْ كَلامِ المُسْتَكْبِرِينَ فَقَطْ، وهَذا مِن أبْدَعِ الإيجازِ_x000D_
و((بَلْ)) لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ أيْضًا إبْطالًا لِمُقْتَضى القَصْرِ في قَوْلِهِمْ ((أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى)) فَإنَّهُ واقِعٌ في حَيِّزِ نَفْيٍ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ لَهُ مَعْنى النَّفْيِ_x000D_
و((مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهار)) مِنَ الإضافَةِ عَلى مَعْنى ”في“، وهُنالِكَ مُضافٌ إلَيْهِ ومَجْرُورٌ مَحْذُوفانِ دَلَّ عَلَيْهِما السِّياقُ، أيْ: ‘مَكْرُكم بِنا اللَّيْلِ والنَّهار’_x000D_
وارْتَفَعَ ”مَكْرُ“ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُقابَلَةُ هَذا الكَلامِ بِكَلامِ المُسْتَكْبِرِينَ إذْ هو جَوابٌ عَنْهُ، فالتَّقْدِيرُ: ‘بَلْ مَكْرُكم صَدَّنا’، فَيُفِيدُ القَصْرَ، أيْ: ‘ما صَدَّنا إلّا مَكْرُكم’، وهو نَقْضٌ تامٌّ لِقَوْلِهِمْ أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى وقَوْلِهِمْ ((بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ)) _x000D_
والمَكْرُ: الِاحْتِيالُ بِإظْهارِ الماكِرِ فِعْلَ ما لَيْسَ بِفاعِلِهِ لِيُغَرَّ المُحْتالُ عَلَيْهِ_x000D_
وإطْلاقُ المَكْرِ عَلى تَسْوِيلِهِمْ لَهُمُ البَقاءَ عَلى الشِّرْكِ، بِاعْتِبارِ أنَّهم يُوهِمُونَهم أشْياءَ كَقَوْلِهِمْ: إنَّهُ دِينُ آبائِكم وكَيْفَ تَأْمَنُونَ غَضَبَ الآلِهَةِ عَلَيْكم إذا تَرَكْتُمْ دِينَكم ونَحْوَ ذَلِكَ والِاحْتِيالُ لا يَقْتَضِي أنَّ المُحْتالَ غَيْرُ مُسْتَحْسِنٍ الفِعْلَ الَّذِي يَحْتالُ لِتَحْصِيلِهِ_x000D_
والمَعْنى: مُلازَمَتُهُمُ المَكْرَ لَيْلًا ونَهارًا، وهو كِنايَةٌ عَنْ دَوامِ الإلْحاحِ عَلَيْهِمْ في التَّمَسُّكِ بِالشِّرْكِ و((إذْ تَأْمُرُونَنا)) ظَرْفٌ لِما في مَكْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن مَعْنى صَدَّنا أيْ: ‘حِينَ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّه’_x000D_
والأنْدادُ: جَمْعُ نِدٍّ، وهو المُماثِلُ، أيْ نَجْعَلُ لِلَّهِ أمْثالًا في الإلَهِيَّةِ_x000D_
وهَذا تَطاوُلٌ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ عَلى مُسْتَكْبِرِيهِمْ لَمّا رَأوْا قِلَّةَ غَنائِهِمْ عَنْهم، واحْتَقَرُوهم حِينَ عَلِمُوا كَذِبَهم وبُهْتانَهم_x000D_
وقَدْ حُكِيَ نَظِيرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ((إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا)) البَقَرَة 166ِ_x000D_
((وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ)) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ((يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ)) سبإ 31، فَتَكُونُ حالًا، ويَجُوزُ أنْ تُعْطَفَ عَلى جُمْلَةِ ((إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ)) سبإ 31 _x000D_
وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى جَمِيعِ المَذْكُورِينَ قَبْلُ وهُمُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، والمَعْنى: أنَّهم كُشِفَ لَهم عَنِ العَذابِ المُعَدِّ لَهم، وذَلِكَ عَقِبَ المُحاوَرَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهم، فَعَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ التَّرامِيَ الواقِعَ بَيْنَهم لَمْ يُغْنِ عَنْ أحَدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ شَيْئًا، فَحِينَئِذٍ أيْقَنُوا بِالخَيْبَةِ ونَدِمُوا عَلى ما فاتَ مِنهم في الحَياةِ الدُّنْيا ((وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ )) في أنْفُسِهِمْ، وكَأنَّهم أسَرُّوا النَّدامَةَ اسْتِبْقاءً لِلطَّمَعِ في صَرْفِ ذَلِكَ عَنْهم أوِ اتِّقاءً لِلْفَضِيحَةِ بَيْنَ أهْلِ المَوْقِفِ، وقَدْ أعْلَنُوا بِها مِن بَعْدُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ((قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها)) الأنعام 31، وقَوْلِهِ: ((لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ)) الزمر 58_x000D_
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ ”أسَرُّوا“ هُنا بِمَعْنى أظْهَرُوا، وزَعَمَ أنَّ أسَرَّ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ ضِدَّيْنِ _x000D_
(نقلا ‘بتصرف’ من تفسير التحرير والتنوير للعلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى)_x000D_
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
Check Also
الكفر
بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_ _ لغة هو الستر …
Future Investments