مناظرة سيدنا إبراهيم عليه السلام والنُمْرُوذُ

بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_
قال تعالى: ((أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِی حَاۤجَّ إِبۡرَ ٰ⁠هِـۧمَ فِی رَبِّهِۦۤ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَ ٰ⁠هِـۧمُ رَبِّیَ ٱلَّذِی یُحۡیِۦ وَیُمِیتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡیِۦ وَأُمِیتُۖ قَالَ إِبۡرَ ٰ⁠هِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ یَأۡتِی بِٱلشَّمۡسِ مِنَ المشرق فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِی كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ)) البقرة 257_x000D_
هَذَا الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ وَهُوَ مَلِكُ بَابِلَ، نُمْرُوذُ بْنُ كَنْعَانَ بْنِ كُوش بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وهو كذلك أحد الملوك الأربعة الذين مَلَكَوا الدُّنْيَا مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا: كسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، ذُو الْقَرْنَيْنِ وَبُخْتَنَصَّرُ_x000D_
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ((أَلَمْ تَرَ)) أَيْ: بِقَلْبِكَ يَا مُحَمَّدُ ((إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ)) أَيْ: ‘فِي وُجُودِ رَبِّهِ’، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ إِلَهٌ غَيْرُهُ _x000D_
وَمَا حَمَلَهُ عَلَى هَذَا الطُّغْيَانِ وَالْكُفْرِ الْغَلِيظِ وَالْمُعَانَدَةِ الشَّدِيدَةِ إِلَّا تَجَبُّرُهُ، وَطُولُ مُدَّةْ مُلْكِه، أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وَلِهَذَا قَالَ تعالى: ((أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ)) وَطَلَبَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ دَلِيلًا عَلَى وُجُودِ الرَّبِّ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: ((رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)) أَيِ: الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِهِ حُدُوثُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُشَاهَدَةِ بَعْدَ عَدَمِهَا، وَعَدَمُهَا بَعْدَ وُجُودِهَا، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ الْفَاعِلِ لِأَنَّهَا لَمْ تَحْدُثْ بِنَفْسِهَا فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُوجِدٍ وَهُوَ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ النُّمْرُوذُ: ((أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ))_x000D_
قَالَ قَتَادَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: وَذَلِكَ أَنه أَوُتَى بِالرَّجُلَيْنِ قَدِ اسْتَحَقَّا الْقَتْلَ فَآمُرُ بِقَتْلِ أَحَدِهِمَا، وَبِالْعَفْوِ عَنِ الْآخَرِ _x000D_
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ جَوَابًا لِمَا أَرَادَ إِبْرَاهِيمُ وَلَا فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِوُجُودِ الصَّانِع! وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ يَدّعي لِنَفْسِهِ هَذَا الْمَقَامَ عِنَادًا وَمُكَابَرَةً وَيُوهِمُ أَنَّهُ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُحَيِّي وَيُمِيتُ_x000D_
وَلِهَذَا قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا ادَّعَى هَذِهِ الْمُكَابَرَةَ: ((فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)) أَيْ: إِذَا كُنْتَ كَمَا تَدَّعِي مِنْ أَنَّكَ أَنْتَ الَّذِي تُحْيِي وَتُمِيتُ فَالَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِي الْوُجُودِ فِي خَلْقِ ذَوَاتِهِ وَتَسْخِيرِ كَوَاكِبِهِ وَحَرَكَاتِهِ فَهَذِهِ الشَّمْسُ تَبْدُو كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَإِنْ كُنْتَ إِلَهًا كَمَا ادَّعَيْتَ تُحْيِي وَتُمِيتُ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ! فَلَمَّا عَلِمَ عَجْزَهُ وَانْقِطَاعَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُكَابَرَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ بُهِتَ أَيْ: أُخْرِسَ ولم يَتَكَلَّمُ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ((وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) أَيْ: لَا يُلْهِمُهُمْ حُجَّةً وَلَا بُرْهَانًا بَلْ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ_x000D_
لكن بعدها طلب سيدنا إِبْرَاهِيمُ من ربه طلبا غريبا:((وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَ ٰ⁠هِـۧمُ رَبِّ أَرِنِی كَیۡفَ تُحۡیِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ)) البقرة 260_x000D_
فكان سُؤَاله عَلَيْهِ السَّلَامُ له أَسْبَابً مِنْهَا: أَنَّهُ لَمَّا قَالَ له النُمْرُوذَ: ((أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)) فسيدنا إبراهيم لم يستطيع أن يُبيِّن للنُمْرُوذ مسألة ‘الإحياء والإماتة’ لعدم معرفته كيف يحيي الله الموتى! _x000D_
أما ما فعله النُمْرُوذ فهو غش وتدليس، ولا علاقة له بالإحياء والإماتة! لأن الإحياء يكون من عدم لا أن تعفو عن شخص بامتناعك عن قتله! _x000D_
سيدنا ِإِبْرَاهِيمُ أَحَبَّ أَنْ يَتَرَقَّى مِنْ مجرد ‘عِلْمِ الْيَقِينِ’ فِي ذَلِكَ إِلَى ‘عَيْنِ الْيَقِينِ’، وَأَنْ يَرَى ذَلِكَ مُشَاهِدَةً فَقَالَ: ((رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي))_x000D_
ولم يكن عند سيدنا إِبْرَاهِيم أدنى شك أن الله قادر على أن يحيي ويميت_x000D_
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

Check Also

قاعدة تكفير المعين وموانع التكفير 01

بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_ وينبغي التشديد في التحذير …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *