بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_
((قَالَ ٱلَّذِینَ ٱسۡتَكۡبَرُوا۟ لِلَّذِینَ ٱسۡتُضۡعِفُوۤا۟ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَـٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَاۤءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِینَ)) سبأ 32_x000D_
جُرِّدَ فِعْلُ ((قالَ)) عَنِ العاطِفِ لِأنَّهُ جاءَ عَلى طَرِيقَةِ المُجاوَبَةِ، والشَّأْنُ فِيهِ حِكايَةُ القَوْلِ بِدُونِ عَطْفٍ_x000D_
وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ ((أَنَحۡنُ)) مُسْتَعْمَلَةٌ في الإنْكارِ عَلى الْمُسْتَضْعَفِينَ قولهم ((لَوۡلَاۤ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِینَ)) سبأ 31 _x000D_
وهَذا إنْكارُ لبُهْتانٌ وكذب الْمُسْتَضْعَفِينَ، وفِيهِ خَوْفُ إلْقاءِ التَّبِعَةِ عَلى الَّذِینَ ٱسۡتَكۡبَرُوا_x000D_
((أَنَحۡنُ)) وأتى بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ قَبْلَ المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في سِياقِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ الَّذِي هو في قُوَّةِ النَّفْيِ لِيُفِيدَ تَخْصِيصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ عَلى طَرِيقَةِ: ‘ما أنا قُلْتُ هَذا’ أي: ‘ما نحن صددناكم عن الهدى’_x000D_
والمَعْنى: ما صَدَدْناكم ولَكِنْ صَدَّكم شَيْءٌ آخَرُ وهو المَعْطُوفُ بِـ ((بَلِ)) الَّتِي لِلْإبْطالِ بِقَوْلِهِ ((بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ))، أيْ: ثَبَتَ لَكُمُ الإجْرامُ مِن قَبْلُ، وإجْرامُكم هو الَّذِي صَدَّكم إذْ لَمْ تَكُونُوا عَلى مُقارَبَةِ الإيمانِ فَنَصُدَّكم عَنْهُ ولَكِنَّكم صَدَدْتُمْ وأعْرَضْتُمْ بِإجْرامِكم ولَمْ تَقْبَلُوا دَعْوَةَ الإيمانِ_x000D_
وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ حالَنا وحالَكم سَواءٌ، كُلُّ فَرِيقٍ يَتَحَمَّلُ تَبِعَةَ أعْمالِهِ فَإنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ كانَ مُعْرِضًا عَنِ الإيمانِ_x000D_
وهَذا الِاسْتِدْلالُ مُكابَرَةٌ مِنهم وبُهْتانٌ وسَفْسَطَةٌ فَإنَّهم كانُوا يَصُدُّونَهم عَنِ الدِّينِ، ويَخْتَلِقُونَ لَهُمُ المَعاذِيرَ، وإنَّما نَفَوْا هُنا أنْ يَكُونُوا مُحَوِّلِينَ لَهم عَنِ الإيمانِ بَعْدَ تَقَلُّدِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ هو المُدَّعى_x000D_
فَمَوْقِعُ السَّفْسَطَةِ هو قَوْلُهم بَعْدَ إذْ جاءَكم لِأنَّ المَجِيءَ فِيهِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الِاقْتِرابِ مِنهُ والمُخالَطَةِ لَهُ_x000D_
و((إذْ)) مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ ومَحْضَةٌ لِكَوْنِها اسْمَ زَمانٍ غَيْرَ ظَرْفٍ وهو أصْلُ وضْعِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى ((وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً)) البَقَرَةِ 30، ولِهَذا صَحَّتْ إضافَةُ ((بَعْدَ)) إلَيْها لِأنَّ الإضافَةَ قَرِينَةٌ عَلى تَجْرِيدِ ((إذْ)) مِن مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ إلى مُطْلَقِ الزَّمانِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: حِينَئِذٍ ويَوْمَئِذٍ والتَّقْدِيرُ: ‘بَعْدَ زَمَنِ مَجِيئِهِمْ إيّاكم’ _x000D_
و((بَلْ)) إضْرابُ إبْطالٍ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ، أيْ: ‘ما صَدَدْناكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ’، وصمِمِتمْ عَلَيْهِ عَلى بَصِيرَةٍ مِن أنْفُسِهِمْ دُونَ تَسْوِيلِ مُسَوِّلٍ_x000D_
(نقلا ‘بتصرف’ من تفسير التحرير والتنوير للعلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى)_x000D_
يتبع إن شاء الله_x000D_
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
Check Also
قاعدة تكفير المعين وموانع التكفير 03
بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله_x000D_ المانع الثالث: الجهل_x000D_ اعلم …
Future Investments